السيد جعفر مرتضى العاملي
29
الصحيح من سيرة الإمام علي ( ع )
ولعل مما يدلنا على ذلك تنوّع العطاءات ، وتنوع أسبابها ، حيث أظهرت أحكاماً وأسراراً دقيقة وعميقة ، مثل أن لروعات النساء ، وفزع الصبيان قيمة مادية ، وأنه لا بد من دية الأجنة إذا أسقطت في مثل هذه الحالات . يضاف إلى ذلك : أنها دلتنا على مسؤولية حقيقية لولي الأمر وهو الرسول ووصيه والإمام من بعده . . عن أمثال هذه الأمور ، وأنها ليست مسؤولية أدبية أو سلطوية ، بل هي مسؤولية مادية حقيقية وواقعية ، ويحتاج إلى إبراء ذمته من هذا الحق المالي ، وأن هذا الحق قد أثبته الله على نفسه أيضاً . ولأجل ذلك صرح « عليه السلام » بأنه أراد ببعض ما أعطاه أن يبرئ ذمة الله ورسوله . وليتأمل المتأمل مليا في جعل ذلك من الوفاء بذمة الله تعالى أيضاً . . كما أن عدم علم صاحب الحق بمقدار الحق الذي ضاع له لا يعني أن لا يعطي ما يوجب براءة ذمة الله ورسوله مما لا يعلمه . . بل لا بد من إعطاء ما يفي بما يعلمون ، وبما لا يعلمون أيضاً . . وهذه وسواها أمور لم تكن واضحة للناس ، لولا فعل علي « عليه السلام » في هذه الحادثة ، وقد لا تخطر لأحد على بال . . والأهم من ذلك كله : أنه « عليه السلام » أعطاهم من أجل أن يرضوا عن رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، ليحفظ دينهم ويصون إيمانهم . وهي تدل على أنه لا بد لمن يتصدى لإنصاف الناس ، ويتحمل مسؤوليتهم أن يكون عارفاً بأسرار الشريعة ، واقفاً على دقائقها وحقائقها ، وكوامنها وأهدافها . .